العالِم المصري محمد ثروت حسن: نسعى لتطوير كاميرا أسرع ألف مرة من كاميرا الفيمتوثانية

محمد

طاقم الإدارة
مشرف عام
إنضم
May 25, 2020
المشاركات
3,350
مستوى التفاعل
3,660

العالِم المصري محمد ثروت حسن: نسعى لتطوير كاميرا أسرع ألف مرة من كاميرا الفيمتوثانية


1663497921682.png

اعتادت وسائل الإعلام المصرية والعربية الإشارة إليه على أنه امتداد للعالِم المصري الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، أحمد زويل، ولمَ لا؟ فهو الآن قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نصر علمي جديد، في زمن آخر جديد أسرع ألف مرة، يُعرف بالأتوثانية، يأتي ذلك في ظل سباق محتدم على أشده بين عدة فرق بحثية عالمية تسعى جاهدةً لرصد حركة الإلكترونات والتحكم في توجيهها.


العالِم المصري، محمد ثروت حسن، البروفيسور في قسم الفيزياء والليزر بجامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، والحاصل على جائزة منظمة «كيك» العالمية لتطوير كاميرا تصوير قادرة على رصد الإلكترونات والتقاط حركتها في زمن الأتوثانية، أحرز وفريقه البحثي تقدمًا كبيرًا في هذا المسار، من أجل كتابة فصل جديد من فصول العلم يُتوقع له أن يُحدث قفزاتٍ ثوريةً تلبي متطلبات عصرٍ جديدٍ في عوالم الاتصالات والطب والكيمياء وصناعة الدواء، فكان لموقع "للعلم" معه هذا اللقاء...

  • استيقظ العالم في أحد الأيام على إنجاز العالِم المصري أحمد زويل، ونجاحه في تصوير حركة الذرات والجزيئات في زمن الفمتوثانية، والآن لدينا إنجاز آخر لعالِم مصري آخر، محمد ثروت حسن، يعمل على رصد حركة الإلكترونات وتوجيهها في زمن أسرع ألف مرة وهو الأتوثانية، ماذا يعني هذا من منظور العلم؟
البروفيسور محمد ثروت حسن: كل شيء من مكونات هذا الكون يسير بسرعة معينة، فالأرض تحتاج إلى 24 ساعة كي تدور دورةً كاملةً حول نفسها، ما اصطلحنا على تسميته اليوم، فاليوم هو مقياس دوران الأرض حول نفسها، أما في قلب المادة فتتحرك الجزيئات في مدى زمني هو البيكوثانية، وداخل الجزيئات هناك الذرات التي تسير بسرعة أكبر من سرعة الجزيئات أطلق عليها الفمتوثانية، أما الإلكترونات فتدور بسرعة أكبر كثيرًا بألف مرة، وهو مدى زمني مذهل اصطُلح على تسميته الأتوثانية، وعليه فالأتوثانية هو العلم المختص بدراسة حركة الإلكترونات داخل المادة، ويصنف باعتباره أحد فروع علم الفيزياء، أما الفمتوثانية فهو أحد فروع علم الكيمياء، ويرصد حركة مكونات المادة من جزيئات وذرات وكيفية تفاعُلها معًا.

1663497954510.png

  • ولكن ما التأثير الكبير الذي يترتب على رصد حركة الإلكترونات؟ ولماذا يحظى بكل هذه الأهمية؟
لأن القدرة على تصوير حركة الإلكترونات ثم إعادة توجيهها ذات تأثير أوسع مدى من رصد حركة الجزيئات والذرات وتصويرها، فالإلكترونات هي اللبنة الأساسية في تشكيل الذرات وكذلك الجزيئات، أي أنها اللبنة الأساسية للمادة، وبالتالي فإن أي تغيير يصل إليها قد يؤدي إلى تغيير طبيعة المادة كليًّا، هذا ما قمنا به بالفعل في آخر أبحاثنا المنشورة عندما جرى تسليط شعاع من الليزر على إلكترونات الزجاج، ما غيَّر من خواصها لتصبح مادةً موصلةً للكهرباء بعد أن كانت غير موصلة، الأمر الذي يحمل آفاقًا واسعة النطاق من التطبيقات في المستقبل القريب تقنيًّا واقتصاديًّا.
  • ولكن هل يعني ذلك فعلًا القدرة على التحكم في طبيعة المادة؟
بالفعل لقد تمكنَّا ليس فقط من رصد مسار هذه الجسيمات الصغيرة جدًّا (الإلكترونات) من نقطةٍ ما إلى نقطةٍ أخرى، ولكننا نجحنا في توجيه مسارها باستخدام ليزر الأتوثانية، بحيث تتحرك في مسار نحدده نحن لها، ولأن حركة الإلكترونات داخل المادة عامل أساسي في تحديد شكل المادة وطبيعتها، على سبيل المثال، التركيب الإلكتروني للزجاج يجعله غير موصل للكهرباء، أي أنه مادة عازلة، لكن قدرتنا على التحكم في توجيه مسار الإلكترونات داخله في غير المسار الطبيعي التي اعتادت أن تسير فيه باستخدام تقنيات الأتوثانية عند طولٍ موجيٍّ معين، يمكن أن تجعل منه مادةً موصلة، وهنا يأتي عامل السرعة للتحكم في قدرة هذه المادة على التوصيل الكهربي في مدى الأتوثانية، ما يعني إمكانية ابتكار وإنتاج مواد جديدة يمكن التحكم فيها وجعلها موصلةً أو غير موصلة للكهرباء، ولكن على عكس الطبيعي والمتاح الآن، فإن هذه الخاصية تعمل في مدى زمني يُعرف بالنانوثانية، أي ألف مليار من الثانية، الآن نستطيع زيادة هذا المدى بمقدار مليار مرة، أو ما يُعرف بالأتوثانية، وبالتالي توفير الأساس الذي يمكن أن نبني عليه تصنيع إلكترونيات فائقة السرعة في المستقبل، أو ما يُعرف بالإلكترونيات الضوئية التي تعمل بسرعة الليزر، وبالتالي تعطينا إمكانيات أعلى قدرةً مليار مرة من الإلكترونيات المتاحة في الوقت الحالي.

1663497990985.png

  • هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استخدام ليزر الأتوثانية، فماذا نعني بـ"ليزر الأتوثانية"؟ وما التقنيات التي كانت تُستخدم من قبل في محاولة رصد حركة الإلكترونات؟ وإلى أي مدى أيضًا كانت فعالة؟
إذا أردنا رصد حركة جسمٍ ما ذي سرعة هائلة كالإلكترونات، فلا بد من ابتكار تقنيات قياس قادرة على أن تعمل في مدى زمني بالسرعة ذاتها التي تتحرك بها الإلكترونات أو أعلى سرعةً منها، لذا كان لا بد من تطوير شعاع ليزر سرعته تكافئ سرعة الإلكترونات، وبالتالي نستطيع رصد حركة الإلكترون في صورٍ واضحة وتستطيع أن ترصد هذه الحركة من بدايتها وحتى نهايتها، وبناءً عليه يمكننا فهم السلوك الحركي للإلكترونات داخل المادة، لذا كانت هناك حاجة إلى تطوير كاميرا سرعتها أسرع ألف مرة من كاميرا الفمتوثانية التي طورها الدكتور زويل وفريقه البحثي، وهذه كانت بداية علم الأتوثانية في عام 2000 مع إنتاج أول فوتونات أو نبضات ضوئية لها سرعة الأتوثانية، وذات طول موجي قصير جدًّا تحت 13 نانومترًا في منطقة الأشعة البنفسجية العميقة، ولكنها كانت ذات طاقة عالية جدًّا، لذا عندما كانت تسقط على المادة كانت تفتتها تمامًا، فكانت ترصد المادة في صورة مفتتة غير واقعية، وبالتالي لم يكن لها تطبيق عملي، ما استوجب عمل أداة جديدة لها سرعة الإلكترون في الأتوثانية ولا تكسر المادة، وهو ما قمت به في معملي في ماكس بلانك في عام 2016، حيث طورت شعاع ليزر في الجزء المرئي من الضوء بسرعة الأتوثانية، فالليزر يمكنه رؤية المادة دون تكسيرها؛ إذ إنه ذو طاقة ضعيفة، وهو ما مكَّننا من رصد الإلكترونات ورؤيتها في الزجاج دون تكسيرها، بل استطعنا أيضًا أن نتحكم في حركتها من خلال تصنيع جهاز قادر على تغيير الشكل الموجي لليزر وتجميع كل الفوتونات الضوئية في حزم ثم إعادة تجميعها معًا للحفاظ عليها عند مستوى طاقة منخفضة لا تكسر المادة، ما مكَّننا من التحكم في شكل الطول الموجي، ما يمكن وصفه بأنه العصا السحرية القادرة على التحكم في حركة الإلكترونات وتحويل مادة غير موصلة للكهرباء كالزجاج إلى مادة موصلة وبسرعات مختلفة وفي أوقات مختلفة، ويتوقع أن يكون لذلك تطبيقات عديدة في المستقبل في مجال الفضاء وعالم البورصة وصناعة الإلكترونيات، أبرزها إمكانية تحميل شعاع الليزر في زمن الأتوثانية معلومات تستطيع الانتقال من مكان إلى آخر بسرعة ليزر أتوثانية ودون انقطاع، ما يعني مثلًا التغلب على واحدة من أكبر مشكلات العصر، وهي انقطاع الاتصال أو ما جرى التعارف عليه بوقوع شبكة الاتصال.
  • الرجاء توضيح المزيد فيما يتعلق بأبرز التطبيقات والمجالات التي يمكن الاستفادة فيها من هذا الإنجاز العلمي؟
أحد أبرز هذه التطبيقات هو الإلكترونيات التي أصبحت تدخل في كل مجالات حياتنا الآن، لو عدنا بذاكرتنا مثلًا إلى الوراء قرابة 20 سنةً مضت، كنا نستخدم المحمول في إجراء الاتصالات فقط، أما الآن فنستخدمه في نقل محتويات كالبيانات أو الصور أو مقاطع الفيديو والصوت تحتاج إلى سرعات معينة، ومع التطور الهائل الحاصل في حياتنا من المتوقع أن نحتاج الى أداة أسرع كثيرًا في المستقبل لنقل هذه البيانات، على سبيل المثال، نقل المعلومات من الأرض إلى المركبات الفضائية التي تخرج في رحلات استكشافية خارج كوكب الأرض، أو العكس.
  • وهل هناك إمكانية لتطبيقات أخرى في مجالات الحياة واكتشاف الأمراض؟
  • نعمل الآن على رصد الإلكترونات وتصويرها عبر تطوير ما يمكن أن نطلق عليه ميكروسكوب الأتوثانية، الذي ستكون له القدرة على أن يرى حركة الإلكترونات ليس في البُعد الزمني فقط، بل في الزمكان (أبعاد الزمان والمكان) عن طريق توليد نبضات إلكترونية تسير بسرعة الأتوثانية، وبما أن الإلكترون هو الوحدة الأساسية للمادة فإن رصده وتصويره يعني إمكانية رصد عملية تبادُل الإلكترونات التي تجري في التفاعلات الكيميائية، وبالتالي التحكم في المنتج النهائي للتفاعل الكيميائي عن طريق توجيه الإلكترونات في مسارات محددة، ما سينعكس على صناعة الدواء والحصول على مركبات دوائية لم يكن من الممكن الحصول عليها بالطرق التقليدية، من ناحية أخرى، فإن من أحلامي الشخصية فهم ما يجري على مستوى الدماغ، ذلك الصندوق المغلق، فالخلايا العصبية الحسية بالجلد تحمل -على سبيل المثال- إشارات الألم إلى المخ عبر سيل من الإلكترونات، وبالتالي فقدرتنا على رصد الإلكترونات والتحكم في حركاتها ربما تنعكس يومًا ما على الحد من الألم، وبالمثل تمنحنا تدخلات فعالة فيما يتعلق بأمراض الدماغ الأخرى، وهكذا الحال مع التحكم في حركة الإلكترونات على مستوى جزيئات الدي إن إيه، جزيء الحياة، إذ يمكن توجيه تفاعلاته داخل الخلية في اتجاه معين، خاصةً ونحن على أبواب تطبيقات الطب الدقيق، أو ما يُعرف أيضًا بالطب الشخصي، وحاجة كل مريض إلى تصميم نوع معين من العلاج أو الدواء قد يتناسب معه هو فقط، بحيث يختلف علاج المرض الواحد من مريض إلى آخر.
  • حصلتَ على منحة بقيمة $1.75 مليون دولار أمريكي، إلى أي مدى هذه القيمة كبيرة وكافية لإنجاز أهدافك البحثية؟ وكيف كانت خطواتك للحصول على هذه المنحة؟
الفكرة أني دائمًا ما أتقدم إلى الجهات الممولة التي تمنح تمويلًا لنوعيةٍ من الأبحاث توصف بالإنجليزية بأنها "High Risk, High Gain" أي كثير من الخطورة وكثير من المكاسب، فلا ضمان للنجاح؛ لأنه هدف بحثي نسعى إلى تحقيقه للمرة الأولى، وبالتالي دون أي خبرات سابقة يمكن الاستفادة منها، وعليه يحتاج الأمر إلى مَن يمنحك الثقة الكاملة، وهذه الثقة لا تُعطى لأحد إلا إذا لمست الجهة المانحة قوة إيمانك بالمشروع، وبالطبع يستلزم ذلك بذل الجهد والعمل الدؤوب وكذلك الإنفاق المنضبط والأمين مع الشفافية الكاملة، كما يستلزم وضع السيناريوهات البديلة للوصول إلى الهدف البحثي، ففي حال فشل أحد المسارات لا بد أن تتضمن خطتك البحثية مسارًا آخر بديلًا.
  • حظيت خلال مسيرتك العلمية بالعمل تحت مظلات ثلاثة أنظمة مختلفة للبحث العلمي، مصر باعتبارها بلدًا ناميًا، ثم ألمانيا، والآن في الولايات المتحدة، حدثني عن الاختلافات الجوهرية بين ألمانيا وأمريكا؟
هي بالفعل مدارس علمية مختلفة تمامًا، ترى المدرسة الألمانية أن الباحث بمنزلة ترس في ماكينة كبيرة، وتعمل بقوة على تعزيز التدريب التقني لدى الباحثين، وهذا أساس جيد جدًّا أفادني كثيرًا، ولكن عادةً ما يكون الباحث هناك فاقدًا للنظرة الكلية للمنتج البحثي الذي يعمل عليه، أما المدرسة الأمريكية فتعتمد إستراتيجيةً مختلفة؛ إذ يتشارك الباحث الأهداف الكلية للمنتج البحثي الذي يعمل عليه منذ بداية عمله البحثي، كما تعتمد التجربة والخطأ للبحث عن أفضل المسارات والحلول العلمية، ولكن الباحث هناك عادةً ما يفتقر إلى كثير من المهارات التقنية الموجودة لدى الباحث في ألمانيا، فيما يتعلق بطريقتي أنا شخصيًّا في العمل البحثي داخل معملي أنا أعتمد على المزج بين الطريقتين: التدريب التقني عالي الكفاءة، بالإضافة إلى مشاركة الصورة الكلية للمنتج البحثي الذي نعمل عليه، ومع مرور الوقت أمنح الباحث المزيد من الاستقلالية، إذ يصبح قادرًا على قيادة عمله البحثي بشكل كامل.
  • التعليم هو قاطرة البحث العلمي، والبحث العلمي هو قاطرة التنمية، كيف يمكن إصلاح هذه الأنظمة لكي يصبح البحث العلمي موردًا أساسيًّا من موارد التنمية في مصر؟
التعليم هو أساس كل شيء، فهو دون مبالغة كلمة السر في التقدم والرقي أيضًا، وأنا هنا أتحدث عن التعليم الأساسي، فيما يتعلق بالتعليم العالي، أعتقد أن التوسع الحالي في أعداد الجامعات أمرٌ جيد لضمان خفض أعداد الطلاب في الجامعة الواحدة، وبالتالي توفير الظروف المناسبة لرفع جودة المنتج التعليمي، هناك ضرورة أيضًا لتطوير المناهج التعليمية في الجامعات، وأبرز مثال على ذلك خريجو كليات الهندسة في جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية، أرى أنهم يملكون مهارات وقدرات خاصة تتوافق مع ما يجري في العالم، هذا مجرد مثال حي موجود لدينا، وربما يعود هذا إلى حرص الأساتذة العائدين من الخارج على تدريس مناهج حديثة، فيما يتعلق بالبحث العلمي في مصر، هناك مجهودات جيدة تُبذل على أرض الواقع ولكنها ربما لا يجمعها هدف واحد يوحدها هو تنمية مصر، لذا لا بد من طريقة جديدة مناسبة لنا؛ لأن لكل بلد طريقته وما يتناسب معه، وأنا شخصيًّا لديَّ تصور على تأسيس معامل وطنية تتمتع بالإمكانيات اللازمة، هدفها الأساسي ليس النشر العلمي، بل إيجاد حلول لمشكلات الدولة المصرية أو توليد فرص تنموية جديدة، لا يقتصر الإسهام فيها على العلماء والباحثين فقط، بل يُسهم فيها المخططون والسياسيون وخبراء الاقتصاد والتقنيون أيضًا، فهي بمنزلة كيانات بحثية وتنموية (R&D) للدولة تتعامل مع المشكلات وتولِّد الفرص الجديدة.
  • كانت لك علاقة وثيقة بالعالم المصري أحمد زويل، حدثني بشكل أكثر تفصيلًا عن هذه العلاقة، متى كان أول لقاء بينكما؟ وكيف جرت الأمور بعد ذلك؟
أول معرفتي بالدكتور أحمد زويل كانت كغالبية المصريين منذ الإعلان عن حصوله على جائزة نوبل 1999، وهو العام ذاته الذي التحقت فيه بكلية العلوم جامعة الفيوم، وكطالب علم كان مثلًا أعلى لي، فقد كان -رحمه الله- شخصًا ملهمًا عزَّز حبي للعلم وفهمي له، وبعد التخرج في الكلية، بدأت مرحلة الدراسات العليا في معهد ماكس بلانك بألمانيا، وجرى اللقاء به في أحد المؤتمرات، في أثناء السنة النهائية لي في دراسة الدكتوراة، إذ جرى بيننا لقاء تعرَّف من خلاله عليَّ وعلى ما أقوم به من أبحاث، وقد أبدى إعجابه بما أفعله، ما جعله يدعوني للالتحاق بمجموعته البحثية في كالتك بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما حدث في العالم التالي لهذا اللقاء، واستكملت العمل هناك لمدة ثلاث سنوات كباحث ما بعد الدكتوراة، أستطيع القول إن الاستفادة لم تكن على المستوى العلمي بقدر ما كانت في تكوين شخصيتي؛ إذ كانت أبحاثي في نطاق الأتوثانية، في حين كانت أبحاث دكتور زويل في نطاق الفمتوثانية، لكني استفدت كثيرًا على المستوى الإنساني وكيفية التواصل مع الآخرين، فهمت أهمية أن تكون لديك رؤية علمية تسعى لتحقيقها، وهو ما شكَّل الوعي البحثي لديَّ فيما بعد.
  • وما المحطات العلمية المشتركة بينكما؟
نشرت معه ثلاثة أبحاث، كنت قد عرضت عليه فكرة استخدام الليزر في التحكم في الإلكترونات داخل الميكروسكوب، وكيفية رؤية الجسيمات النانوية في السوائل وهذا بحث نُشر في دورية ساينس، وبعد وفاته عملت على فكرة تطوير الميكروسكوب رباعي الأبعاد، ولكنها كانت داخل معامل كالتك، ونُشرت في دورية نيتشر فوتونيك في مايو من العام التالي لوفاته مباشرةً.
  • في رأيك ما هي أبرز سمات دكتور زويل التي مكنته من إنجازه العلمي؟
المثابرة، أن يكون لديك فكرة وتصر عليها لحين تحقيقها، وأن تكون لديك رؤية فيما يتعلق بشكل الحياة بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، كان لدى دكتور زويل بعض الإرهاصات كمفكر وليس فقط كعالم، القدرة على إقناع الآخرين بأحلامه، كان لديه حلم بمشروع جامعة زويل ونجح في إقناع المصريين ودعموه حتى أصبحت واقعًا.
  • بعيدًا عن دكتور زويل، مَن هي الشخصيات التي ألهمتك في حياتك العلمية؟
كنت أحب الرياضيات كثيرًا، وبالفعل كان مدرسو الرياضيات في المدرسة دائمًا أشخاصًا ملهمين لي، خاصةً فيما يتعلق بالتحدي في تقديم حلول للمسائل الرياضية الصعبة بطرق مختلفة، وعلى مستوى العلماء أرى أن ماكس بلانك شخصية ملهمة ورائعة؛ فهو الذي أسهَمَ بقوة في وضع الأساس الذي قام عليه العلم الحديث في القرنين العشرين والحادي والعشرين، متغلبًا في ذلك على العديد والعديد من الصعاب والتحديات التي واجهته.
  • ما هي أبرز لحظات السعادة لديك، تلك اللحظات التي لا تُنسى في مسيرتك العلمية؟
لحظات السعادة عند العالِم عندما يكون واقفًا في معمله، ويرى النتائج التي حلم بها وانتظرها سنواتٍ بعد هذا المجهود الشاق تتحقق، هي لحظات لا توصف، على سبيل المثال اللحظة التي رصدنا فيها حركة الإلكترون بالفعل واستطعنا توجيهه نحو اتجاهٍ ما، تستطيع القول إنك في هذه اللحظة ترى فيزياء جديدة، وأيضًا تلك اللحظة التي ترى فيها المجتمع العلمي يقدِّر ما كنت تعمل من أجل الوصول إليه، واللحظة التي يتم فيها قبول نتائج أبحاثك في واحدة من الدوريات العلمية المرموقة، وكذلك اللحظة التي يتم فيها إعلامك بأن جهةً ما معنية بتمويل أبحاثك قد قبلت العرض الذي تقدمت به، وأن هناك مَن صدَّق حلمك وأعلن أنه على استعداد لدعمك وإعطائك التمويل المطلوب لإتمام أبحاثك، ويتكرر هذا مع كل إنجاز جديد يمكن أن تصل إليه بعد جهدٍ طويلٍ وشاق.
  • وختامًا لهذا الحوار، بماذا تنصح الشباب المقدم الآن على الالتحاق بالجامعة، هل يختار المجال الذي يحب أم المجال الذي يرتبط أكثر بسوق العمل؟
لا بد وأن كل طالب يتيقن من أن نتيجة الثانوية العامة هي بداية الطريق وليست نهايته، وأنه لا بد من إعادة تأطير مفهوم كليات القمة لدى الشباب لتصبح كلية القمة لدى أي طالب هي الكلية التي يستطيع التفوق فيها، البعض قد يلتحق بكلية الطب، على سبيل المثال، ولكنه لا ينجح فيها، فيما يتعلق بتجربتي الشخصية في هذا الصدد، تمنيت الالتحاق بكلية الهندسة، إلا أن مجموعي لم يتناسب مع الحد الأدنى لتنسيق الهندسة في هذا العام، وبالتالي قررت أن أعيد أولوياتي فوجدت أنني أحب الرياضيات والفيزياء، بحيث أصبحت كلية العلوم اختيارًا أول بالنسبة لي، فلا بد من إعادة التقييم، وهنا أود أن أنصح الشباب بعدم التمسك بالخطط الجامدة غير القابلة للتغيير، كما أنصح الجميع بأن يحدد هدفه، ماذا يريد؟ فتحديد الهدف يبلغ 50% من الوصول إلى النجاح، وإذا وضعت الهدف ولكن لم يتحقق، لا بد من أن أتحلى بالمرونة وأن يكون لديَّ خطط بديلة، خاصة وأن اختيارات الله دائمًا هي الأفضل، فمن الضروري التخلي عن الإحباط واليأس، وأن يتحلى الشخص بالقوة دائمًا، فالحياة لا تعترف بالإنسان ضعيف الإرادة، والنجاح يتحدد بقدرتك على الوقوف الصعود مجددًا عندما تقع على الأرض.
 

الاعضاء الذين يشاهدون الموضوع (المجموع: 1, الاعضاء: 0,الزوار: 1)

أعلى