الصراع الدولي على تسليح الفضاء.. الأبعاد والتداعيات على الأمن والسلم الدوليين

echo11

الادارة
طاقم الإدارة
إنضم
May 4, 2020
المشاركات
1,632
مستوى التفاعل
2,251
النقاط
98
ظهرت خلال العام 2020 مؤشرات قوية على تصاعد سباق التسلح العالمي، وخاصة فيما يُطلق عليه «عسكرة الفضاء»، وهذا ما يفهم من تصريحات مدير وكالة الفضاء الروسية، دميتري راغوزين، في شهر نوفمبر 2020 التي قال فيها «إن الولايات المتحدة الأمريكية نقلت معركة سباق التسلح إلى الفضاء، ولا شيء يدعو للقلق بالنسبة لروسيا»، وذلك رداً على الخطوات الأمريكية الأخيرة التي تستهدف الحفاظ على تفوقها في مجال الفضاء والسيطرة عليه، والحيلولة دون ظهور أي قوى دولية منافسة لها.

بقلم / داليا السيد أحمد
هذا في الوقت الذي بدأت فيه العديد من القوى الإقليمية والدولية تعمل على تأسيس قوة فضاء عسكرية ضمن أفرع قواتها المسلحة.. فما هي مظاهر تسليح الفضاء؟ وما هي الأسباب التي تدفع العديد من دول العالم إلى الاستثمار في البعد العسكري للفضاء؟ وما هي تداعيات «تسليح الفضاء» على الأمن والسلم الدوليين؟

الصراع على الفضاء... من الحرب الباردة إلى عصر كورونا
كان الصراع على الفضاء أحد مظاهر الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق، فيما عرف وقتها بـ»حرب النجوم»، حيث سعى كل من الطرفين إلى تأكيد تفوقه في هذا المجال، وبدأ هذا الصراع بإطلاق الاتحاد السوفيتي عام 1957 القمر الصناعي الذي حمل اسم «سبوتنيك»، والذي كان بمثابة الشرارة التي أطلقت سباق التسلح العسكري بين الجانبين، خاصة مع تطور تكنولوجيا الفضاء التي أسهمت في عسكرة هذا السباق.

الولايات المتحدة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام ذلك، وبدأت في اختبار أسلحة مضادة للأقمار الصناعية والقنابل النووية في الفضاء قبل حظر أسلحة الدمار الشامل المدارية بعد التوصل إلى معاهدة الفضاء الخارجي عام 1967. وطوال تلك الفترة، عمل الاتحاد السوفييتي على تطوير واختبار الألغام الفضائية، وهي مركبات فضائية ذاتية التفجير يمكنها ملاحقة أقمار التجسس الصناعية الأمريكية وتدميرها عن طريق إمطارها بوابل من الشظايا. واستمر السباق بين الطرفين حتى هبوط أول رائد فضاء أمريكي إلى سطح القمر عام 1969، وبعد ذلك بدأت الولايات المتحدة تركز على مجالات جديدة حيث تم بناء محطة فضائية «Sky Lab» لجمع بيانات، وبرنامج المكوك الفضائي.

وتراجع سباق التسلح حول الفضاء تدريجياً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، بل وتحول إلى تعاون مشترك فيما بينهما في مجال استكشاف الفضاء، وتوج ذلك بالمهمة المشتركة بين الدولتين التي تسمى “ أبولو-سيوز” في عام 1975. وكان واضحاً خلال تلك الحقبة أنه رغم الصراع بين القطبين في مجال الفضاء، إلا أنه لم يتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مباشرة، لالتزام الطرفين بقواعد الحرب الباردة ولإدراكهما بأن أي عمل عدائي ضد أقمار أي طرف يمكنه إشعال مواجهة نووية شاملة على الأرض.

وتجدد الصراع منذ سنوات قليلة حول السيطرة على الفضاء ليس فقط بين الولايات المتحدة وروسيا- وريثة الاتحاد السوفيتي السابق، وإنما بين العديد من القوى الإقليمية والدولية، التي تنظر إلى الفضاء وامتلاك أدواته والتفوق فيه، باعتباره أهم مظاهر قوتها في وقتنا الراهن. وتصاعدت وتيرة الصراع حول الفضاء بصورة لافتة مع إعلان الولايات المتحدة في ديسمبر 2019 عن تشكيل قوة الفضاء الأمريكية كفرع سادس مستقل في القوات المسلحة الأمريكية، بعد أن كانت تابعة للقوات الجوية منذ تأسيسها في عام 1982 ، وهي الخطوة التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها إحياء لحرب النجوم التي كانت سائدة إبان الحرب الباردة، وليس أدل على ذلك من أن هذه الخطوة أثارت قلق العديد من القوى الدولية والإقليمية، كروسيا والصين وفرنسا، والتي أعلنت عن خطوات ومبادرات لتعزيز مكانتها في مجال الفضاء.

واستمر التنافس بين القوى الكبرى خلال العام 2020 حول الفضاء والسيطرة عليه، بالرغم من جائحة كورونا “كوفيد-19”، والتي كان يُتوقع أن تجبر هذه القوى على إيقاف أو تأجيل مخططاتها في هذا السياق، وكانت أبرز مؤشرات ذلك إعلان وزارة الدفاع الأمريكية في شهر يونيو 2020 عن استراتيجية الفضاء الجديدة، والتي أكدت خلالها على أن الولايات المتحدة ستسعى للمحافظة على تفوّقها في الفضاء، وخصوصا حماية الأقمار الصناعية المستخدمة لتحديد المواقع والتي يعتمد عليها الجيش إضافة إلى أجهزة الطوارئ والنقل وحتى الخدمات المالية. بينما واصلت روسيا جهودها لتعزيز قدراتها العسكرية، وخاصة تلك التي تستهدف تعزيز تفوقها الفضائي من ناحية والتصدي لمحاولات الهيمنة الأمريكية من ناحية ثانية، وهذا ما يفهم من تصريحات مدير وكالة الفضاء الروسية، دميتري راغوزين، في شهر نوفمبر 2020 والتي أكد خلالها أن بلاده مستعدة لخوض سباق الفضاء، قائلاً أن “الأسلحة الجديدة والمتطورة في المستقبل ستكون في الفضاء الخارجي، حيث ستكون حقلا للاختبارات ومكانا للتجارب، وأن بلاده ليست قلقة لأنها تمتلك أسلحة صاروخية لا تزال الأفضل في العالم، وتضمن توفقها الكامل».

في الوقت ذاته، أعلنت الصين في شهر يوليو 2020 عن اكتمــال نظـام “بايـدو” للمــلاحـة بالأقمــار الصـــناعيـــــة (Beidou)، وهـــــو نظام يتألف من 35 قمـــرًا صناعــيا في أنـــــواع مختلفة من المـــدارات حول الأرض بدقــــة (مُعلنة) لتحــديد الموقـع على الأرض في نطاق يصل إلى نحو 2.6 متر ، وتكمن أهمية هذا النظام ليس فقط في كونـــه يجعــل الصـين الدولة الرابعة في العالم التي لديها التكنولوجيا الكاملة في هذا النطاق بعد الولايات المتحدة المالكة لنظام تحديد المواقع «GPS»، ولكن لأن لهذا النظام العديد من المهام العسكرية أيضاً، فإحدى القدرات الرئيسية الداعمة بالنسبة للجيوش الحديثة هي منظومة ملاحة عالمية محدثة باستمرار.

تزايد الاستخدامات العسكرية لقطاع الفضاء
شهدت صناعة الفضاء طفرة نوعية خلال السنوات الماضية بعد أن ارتبطت بالجانب العسكري ودخول الصواريخ والأقمار الصناعية ضمن ترسانات الدول المتقدمة في صراعها من أجل الهيمنة والسيطرة، ثم بات للانجازات العسكرية تطبيقات مدنية، وبات لصناعة الفضاء ارتباطاً مهما بالهيمنة المعلوماتية والسيبرانية، لاسيما بعد أن تحولت المعلومات إلى ساحة للحروب والصراعات.

وبالفعل فقد دخلت قوى دولية وإقليمية عديدة التنافس في مجال الفضاء، لأنها ترى في ذلك عنواناً لتفوقها التكنولوجي وقوتها العسكرية الشاملة، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة تزايد الاستخدامات العسكرية لقطاع الفضاء في السنوات القليلة الماضية، فعلى سبيل المثال، فإن مجالات استخدام الأقمار الاصطناعية، لم تعد تقتصر فقط على الاستطلاع الإستراتيجي والسيطرة على الأهداف المعادية، بل باتت تتضمن مهاماً عسكرية كإطلاق أشعة الليزر ضد الأهداف المعادية، إضافة لمنظومات الصواريخ المضادة للصواريخ . وهناك العديد من الشواهد التي تظهر تنامي الاستخدامات العسكرية للفضاء، ففي الحروب التي شهدتها العديد من المناطق خلال العقود الثلاثة الماضية، تم الاعتماد على الأقمار الصناعية وتكنولوجيا الفضاء بوجه عام بشكل متزايد، بداية من حرب تحرير الكويت عام 1991، ومروراً بحرب كوسوفو عام 1999 وعملية الحرية الدائمة في أفغانستان عام 2002 ، وحرب العراق عام 2003 ونهاية بالحرب التي خاضها التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي عام 2014.

مظاهر الصراع الراهن على الفضاء بين القوى الكبرى
أصبح التوجه نحو تسليح الفضاء الآن توجهاً دولياً متنامياً، لارتباطه بالمكانة والنفوذ الدولي، حتى أن الخبير الاستراتيجي جون كولينز أشار في كتابه» القوات العسكرية الفضائية» إلى «أن السنوات الخمسون القادمة سيكون مفتاح السيطرة العسكرية فيها هو فضاء المحيط الأرضي الذي يغلف الكرة الأرضية بسماكة ثمانين ألف كيلو متر، فمن يسيطر على هذا الفضاء يتحكم بكوكب الأرض، ومن يسيطر على كوكب القمر يتحكم بفضاء المحيط الأرضي»؛ ولعل هذا يفسر لماذا أصبح الصراع على السيطرة على الفضاء يشكل أحد أهم مؤشرات سباق التسلح العالمي في الآونة الأخيرة، وباتت العديد من القوى الإقليمية والدولية تدرج القوة الفضائية ضمن قواتها المسلحة، وتعمل بشكل متواصل على تطويرها، وفيما يلي عرض لأهم مظاهر صراع السيطرة على الفضاء بين القوى الكبرى:

1 - الولايات المتحدة الأمريكية: تولي اهتماماً بقطاع الفضاء منذ حقبة الحرب الباردة، وتسعى الآن إلى تأكيد تفوقها وسيطرتها على الفضاء، وترى أن الوقت قد حان للعمل بأحكام الفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أنه «يمكن لدولة ما أيضا استخدام القوة العسكرية لحماية نفسها من الأعمال العدائية، وحماية ممتلكاتها في الفضاء». وفي هذا السياق أعلنت في ديسمبر 2019 عن تشكيل قوة الفضاءالأمريكية كفرع سادس مستقل في القوات المسلحة الأمريكية، وذلك لتأكيد هيمنتها على الفضاء الخارجي، في مواجهة منافسيها الدوليين، وخاصة روسيا والصين. وبدأت هذه القوة تمارس مهامها مؤخراً حيث قامت في شهر نوفمبر 2020 بالتعاون مع مركز أنظمة الفضاء والصواريخ الأمريكية بإطلاق قمر GPS III الرابع من محطة (كيب كانافيرال) الجوية في فلوريدا على متن صاروخ سبيس إكس فالكون 9. وينضم هذا القمر إلى كوكبة موجودة في المدار مكونة من 31 قمرًا صناعيًا لنظام تحديد المواقع العالمي GPS ، ويوفر هذا الجيل الجديد من الأقمار الصناعية GPS III لنظام تحديد المواقع العالمي GPS قدرات متزايدة للمستخدم. ويُعتبر القمر الصناعي الجديد قمرَ GPS الرابع من نوعه الذي يتم إطلاقه في السنوات الثلاث الماضية، وهو القمر الصناعي رقم 23 المزود بإشارة M-Code الجديدة الأكثر أمانًا والتي يصعب تشويشها في كوكبه. وحسب العديد من الدراسات، فإن الولايات المتحدة تحتل الآن المرتبة الأولى على الصعيد العالمي فيما يتعلق بامتلاك الأقمار الصناعية العسكرية، والتي يصل عددها إلى 123 قمراً. وتشير العديد من الدراسات إلى الجيش الأمريكي يسعى حالياً إلى جعل أقماره الصناعية أكثر مناعة في مواجهة الهجمات الفضائية، وكذلك أكثر صعوبة في العثور عليها، ويخطط عام 2022 لإطلاق قمر صناعي يطلق عليه “ NTS-3”، سيكون بهوائيات قابلة للبرمجة والتوجيه، ويمكن أن يبث إشاراته بقوة أكبر لمواجهة التشويش من أي قوى معادية.

2 - روسيا: تمتلك قدرات نوعية في قطاع الفضاء تؤهلها لمنافسة الولايات المتحدة في هذا الشأن، وهذا يرجع إلى أنها ورثت البنية التحتية والمعلوماتية الهائلة التي كان يمتلكها الاتحاد السوفيتي السابق، وتنطلق منها في تطوير قوتها الفضائية. وفي هذا السياق فقد كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس 2019 عن ستة أنظمة أسلحة هجومية كبيرة جديدة من بينها نظام الليزر العسكري المحمول (بيريسفيت) الذي أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نجاحها في وضعه في مداره. وعلى الرغم من الغموض الكبير الذي يحيط بالنظام الجديد، فإن إليم بوبليت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الحد من التسلح، أشارت إلى أنه نظام متطور للغاية للمراقبة الفضائية يعمل بطريقة غير طبيعية، ويمكنه اصطياد الأقمار الصناعية من أي مدار.

كما تطور روسيا قدراتها للاقتراب من الأقمار الصناعية وفحصها في مداراتها، وربما تخريبها أو تدميرها. وفي نوفمبر 2019، أطلقت روسيا القمر الاصطناعي «كوزموس 2542». ثم أطلق هذا القمر قمرا اصطناعيا فرعيا هو «كوزموس 2543» قادر على المناورة في المدار لمراقبة وتفتيش أو التجسس على أقمار أخرى. واقترب هذا القمر الاصطناعي الفرعي بشكل كبير من قمر تجسس اصطناعي أمريكي هو «يو إس أيه-245»، ومن قمر اصطناعي روسي آخر، وحسب العديد من التقديرات فإن روسيا تمتلك 74 قمرًا صناعيًا عسكريًا.

3 - الصين: تسعى منذ سنوات إلى تطوير قدراتها في مجال الفضاء، وتشير العديد من التقارير إلى أنها استخدمت بالفعل صاروخا أرضيا من قبل لتدمير قمر صناعي خاص بها كان قد خرج من الخدمة، كان ذلك في 2007، وكانت تلك التقنيات بالأساس مبنية على معلومات مأخوذة من شركات في الولايات المتحدة الأميركية لتحسين منظومة الأقمار الصناعية الصينية ثم طُوِّرت لخدمة الأغراض العسكرية. ولدى الصين 68 قمرا صناعيا معدة للاستخدام العسكري، ويطلق على الأقمار الصناعية التي يديرها الجيش اسم Yaogan. تم إطلاق Yaogan 30D و 30E و 30F في 24 نوفمبر 2017. ويقال أن الثلاثة هي تجريبية وسيتم استخدامها لجمع المعلومات الاستخبارية.

وحينما أعلنت الولايات المتحدة تأسيس قوة الفضاء الأمريكية في ديسمبر عام 2019، عارضت الصين بشدة هذه الخطوة، واعتبرت أنها “تعد انتهاكا خطيرا للإجماع الدولي بشأن الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، الأمر الذي يمكن أن يقوّض التوازن الإستراتيجي والاستقرار العالمي”. ولم تكتف الصين بذلك بل واصلت عملية تطوير قدراتها في مجال الفضاء، وفي يوليو 2020 نجحت في إطلاق القمر الصناعي “تيان-وين-1” إلى المريخ، وهي مهمة بحسب الخبراء تتجاوز الأغراض المدنية إلى العسكرية، وتستهدف بالأساس إيصال رسالة واضحة بأنها باتت قوة فضائية عظمى في مجال الفضاء، وقادرة ليس فقط على منافسة الولايات المتحدة في هذا المجال، وإنما أيضاً السيطرة الكاملة عليه.

4 - فرنسا: أضافت في شهر يوليو 2020 الفضاء كفرع جديد لجيشها، وتم تغيير اسم رئاسة أركان سلاح الجو الفرنسي إلى رئاسة أركان سلاح الجو والفضاء، وذلك في مؤشر واضح على رغبتها في الانخراط بقوة في مجال الفضاء. وتخصص فرنسا ضمن ميزانيتها للدفاع للفترة من2019-2025 ما يقرب من 3,6 مليارات يورو للدفاع الفضائي، وذلك بهدف تمويل تجديد الأقمار الاصطناعية للمراقبة والاتصالات وإطلاق ثلاثة أقمار للتنصل الكهرومغناطيسي وتحديث رادار المراقبة الفضائية. ويوجد مركز قيادة الفضاء في مدينة تولوز، وسيعمل فيه في فترة أولى فريق مكون من 200 عنصر، على أن يرتفع العدد إلى 500 بحلول عام 2025. ستزداد أهمية الموضوع في مقررات المدارس العسكرية، وسترتفع الاستثمارات في القطاع من 3,6 مليار يورو، كما هو متوقع في قانون البرمجة العسكرية (2025-2019)، إلى 4,3 مليار يورو.

5 - الهند: تمتلك برنامج فضائي منذ عام 1972، وقامت بتوظيف تكنولوجيا الفضاء لأغراض مدنية وعسكرية، من خلال إجراء تجارب على نطاق واسع مثل تجربة تلفاز تعليمي مرتبط بالأقمار الاصطناعية ومشروع قمر اصطناعي للاتصالات وبنفس الوقت صنعت صواريخ تجارب مثل «آرياباتا» و»باسكارا». وهذه الأقمار الاصطناعية والصواريخ الهندية كانت بداية للمزيد من الأقمار الصناعية المعقدة ومراكب إطلاق الأقمار الاصطناعية والصواريخ التي صنعت في الثمانينيات. واليوم تصنف الهند ضمن قائمة القوى الإقليمية الصاعدة في مجال الفضاء، وفي مارس 2019 أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن صاروخا فضائيا محلي الصنع، نجح في تدمير قمر صناعي في مدار قريب من الأرض. ، مؤكداً أن الهند باتت “قوة فضائية كبرى”.

تسليح الفضاء وتداعياته على الأمن والسلم الدوليين
لا شك أن الصراع الراهن بين القوى الكبرى على السيطرة على الفضاء، والعمل على «عسكرته»، ينطوي على تهديد واضح للأمن والسلم الدوليين، خاصة بالنظر إلى الاعتبارات التالية:
1 -غياب المعايير الدولية الخاصة بتنظيم الفضاء واستخداماته، حيث فشلت آخر مباحثات أجريت تحت رعاية الأمم المتحدة في مارس 2019 للتوصل إلى معاهدة لوقف سباق التسلح في الفضاء دون التوصل إلى اتفاق، بسبب الخلاف بين كل من الولايات المتحدة من جانب وروسيا والصين من جانب آخر. وحتى المعاهدات الدولية التي تنظم عمل الفضاء، كمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، والتي تعرف رسميا باسم «معاهدة المبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي»، فإنها لم تحدد بشكل واضح طبيعة استخدامات الفضاء، فضلاً عن أن هناك العديد من دول العالم لم تنضم إليها حتى وقتنا الراهن. في الوقت ذاته، فإن هذه المعاهدة ورغم أنها تحظر على الدول وضع أسلحة نووية في الفضاء، وتثبيتها على القمر والأجرام السماوية لأغراض سلمية، إلا أنها لا تحظر نشر الأنشطة العسكرية التقليدية في الفضاء، أو إنشاء قوات عسكرية فضائية، أو تسليح الفضاء، الأمر الذي يتيح للدول إمكانية نشر الأسلحة في الفضاء دون فرض أي عقوبات.

2 - التزايد المضطرد في الاستخدامات العسكرية لقطاع الفضاء، حتى أن العديد من القوى الكبرى باتت تدرج «عسكرة الفضاء والسيطرة عليه « ضمن عقيدتها الدفاعية والعسكرية للسنوات المقبلة، وهو الأمر الذي قد يكون سبباً في نشوب صراعات وحروب في المستقبل. ويكفي الإشارة هنا إلى أن الدافع الرئيسي وراء تشكيل قوة الفضاء الأمريكية الجديدة يرجع بالأساس إلى تقديرات استخباراتية تؤكد قدرة روسيا والصين على إسقاط الأقمار الصناعية الأمريكية خلال أعوام قليلة. ويرتبط بهذا العامل ما تؤكده العديد من الدراسات على تزايد استخدامات الفضاء لأغراض عسكرية وحربية، حيث بدأت العديد من جيوش العالم تفكر جيداً في استخدام الفضاء في الاضطلاع بمهام حربية محددة ، من خلال وضع نظم في الفضاء من شأنها أن تهاجم هدفا يقع في الأرض أو في الجو أو في الفضاء نفسه.

3 - عودة أجواء الحرب الباردة من جديد، خاصة مع جائحة كورونا، والتي دفعت العديد من القوى الكبرى إلى تأكيد تفوقها العسكري، وخاصة في مجال الفضاء، من منطلق أن ذلك من شأنه ان يعزز مكانتها في النظام الدولي في عالم ما بعد كورونا، وهذا يفسر ردود الأفعال الدولية القلقة بشأن أي خطوة يتم إعلانها في مجال الفضاء، على النحو الذي بدا واضحاً في استراتيجية وزارة الدفاع الأمريكية التي تم الإعلان عنها في يونيو 2020، والتي «تنظر إلى الصين وروسيا باعتبارهما التهديد الاستراتيجي الأكبر نظرا لتطويرهما واختبارهما ونشرهما قدرات فضائية مضادة». وفي المقابل، فإن العديد من القوى الكبرى تنظر هي الأخرى بقلق متزايد لأي خطوات أمريكية في مجال الفضاء، وهذا بدا واضحاً في انتقاد روسيا لاستراتيجية الفضاء الأمريكية الجديدة، التي اعتبرت أنها «تؤكد على المسار العدائي الذي تتخذه واشنطن في الفضاء وتثير سباق تسلّح في الفضاء».

4 - السيطرة على الموارد والمعادن الثمينة في الفضاء الخارجي: إن اهتمام القوى الكبرى بمجال الفضاء واستكشافه والعمل على عسكرته يخفي ورائه أهدافاً أخرى، هي السيطرة على ما يحتويه من موارد ومعادن نادرة، حيث تشير الدراسات إلى أن الكويكبات القريبة من الأرض تحوي كميات كبيرة من «مجموعة المعادن البلاتينية» مثل البلاتين والبلاديوم والروبيديوم والإيريديوم، إلى جانب كميات هائلة مما نُسميه بـ «العناصر الأرضية النادرة»، وهي مجموعة من سبعة عشر عنصرا كيميائيا في الجدول الدوري، تحديدا السكانديوم والإتريوم واللانثانيدات، تدخل تلك العناصر في صناعة كل شيء تقريبا، بداية من البطاريات والإلكترونيات وصولا إلى تكرير البترول وإنتاج الطاقة.

خاتمة
في ظل التزايد المضطرد للاستخدامات العسكرية لقطاع الفضاء، وفي ظل توجه العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى تأسيس قوة فضاء عسكرية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، فإن العالم قد ينزلق في المستقبل إلى حروب سكون ساحتها الفضاء، الامر الذي من شأنه تهديد الأمن والسلم الدوليين، خاصة مع غياب القواعد الدولية التي تنظم استخدامات الفضاء وتحول دون عسكرته.
 

{الذين يشاهدون الموضوع} (اعضاء: 0, زوار: 1)

أعلى